HASSAN
12-22-2008, 09:58 AM
التراث والفن المندائي والاعتزاز به
لاني انتمي لهذه الطائفة العريقة فاني التزم بالبحث عن مأثوراتها وتراثها وفنها واشجع على ترك بعض من علاماتها في بعض اعمال فنانينا ومثقفينا.
غالبا ما يكون اهتمام الانسان في ما يحب ان يحصل عليه هو معلومات عن اقرب شيء لنفسه الا وهو انتمائه الروحي النابع من بيته وبيئته،لذلك اول من جلب اهتمامي
هو المندائية والدين المندائي، وقد شرفني ان اتعرف على شخصية مندائية مهمة، بداية ستينات القرن العشرين (كنت حينها بين نهاية الطفولة وبداية الفتوة ) الا وهو رجل الدين الشيخ ( داخل )ارواها نهويلي، وكانت عائلتي قد انتقلت في الربع الاخير من خمسينيات ذلك القرن الى كرخ بغداد منطقة الدورة(المهدي) من رصافتها (قنبرعلي )،وبالرغم من معرفتي معظم رجال ديننا ذاك الزمان ( ارواها اد هيي نهويلون) وقد كان لكل واحد منهم شحصيته المتفردة الا انهم جميعا يشتركون بدماثة الخلق في اعلى مراحله ، وبساطة نادرة قل ما تجدها لدى الناس المهمين ، وكان تعرفي عليهم من خلال ( خان الشابندر ) ذلك السوق الذي ضم الكثير من ابائنا الصاغة ، وكان مدرستي الاولى في الحياة .
لقد كان الشيخ الجليل ( داخل ) ارواها نهويلي شخصية جذابة شكلا وروحا ، فقد كان دائم التأنق في ملابسه من عقاله المقصب وصايته وعبائته حتى اصغر شيء في هندامه ،مثقفا بكل المعايير، قليل الكلام،الا حينما يريد ان يوجه احد، اتذكر هذه الحادثة رغم مرور حدود الخمسين عاما عليها فلا تزال كأنها حصلت بالامس ، صعدت من الصالحية في (كرخ بغداد) بباص مصلحة نقل الركاب رقم (31 ) قاصدا البيت في (منطقة الدورة) وكنت راجعا من فعالية للكشافة في مدرستي الابتدائية ( الاماني ) مقابل السفارة البريطانية وكنت مرتديا ملابس الكشافة برباط احمر ووضعت عليها دنبوس فضي من شغل اهلنا كحلية تمثل (حمامة السلام) وقد كان حين ذاك يمثل رمزا لفئة سياسية مهمة في الشارع العراقي ، وكان حينها الصراع مستعرا بين الفصائل السياسية العراقية بدايات السنين الاولى لثورة 14 تموز ، جلست على كرسي الباص المخصص لاثنين وجلس في جانبي شيخ كبير ذو لحية بيضاء جميلة ، مهيبا وجادا في شكله ، سلم علي قبل ان ابادره انا الصغير ، عرفته مندائيا من اهلي ، رحبت به واهتممت كثيرا، لم اعرف ما افعل فقد تفاجئت وهو الى جانبي ، الابتسامة تعتلي محياه ، سار الباص وانا ساكت وجل، بعد فترة لا اتذكر طويلة كانت او قصيرة، بادرني بالسؤال عن اسمي وكان المفتاح للحوار ، سالني عن الصف والمدرسة ، ومد يده على رباط الكشافة وعدله لي، وقال (اشكد حلوه ملابس الكشافة) ، قلت له (شكرا شيخ) ثم اردف قائلا ( اكدر بويه اشوف هذه المدالية الحلوه) ، فنزعتها فورا واعطيتها له ، وسالني (شغل ابوك) .. (لا بس هو اطانياها).. واستمر يسال ببساطة وانا احاوب .. حتى قال (ضمها بحيبك احسن توكع حرامات ..
لان تتحرك وتركض بالمدرسة واتضيع منك وهي كلش حلوه) .... لم اكذب خبرا اخذتها منه ووضعتها في حيبي ... وانتقل حديثنا عن المندائية وتعلم حروف اللغة ... وقال (تعال باجر واطيك كتاب ايعلمك تقره وتكتب) .... شكرته كثيرا لانه كان حلما ان اتعلم لغة الاهل فقد كان في مدرستنا اصدقاء اشوريين يتكلمون بينهم لغتهم الخاصة،كنا حقا نغار منهم لاننا نعرف بوحود لغة لدينا لا نتحدث بها ولا نعرفها.
في صباح اليوم الثاني ذهبت بهمة وشوق الى بيت الشيخ الجليل وكان في الشارع الذي خلف شارع بيتنا في محلة المهدي من الدورة ...بعد الطرق على الباب استقبلني الرجل بابتسامته الجميلة مرحبا واستصحبني الى الداخل واجلسني ثم جلب لي كراسا اوراقه صفراء وصار يشرح لي كيف ابدا ... وطلب مني ان احافظ عليه لانه بخط يده
وورقه يتكسر حين يطوى .... شكرته كثيرا جدا وانا اكاد اطير من الفرح ...... اخذته راجعا لبيتي وكاني امتلك كنزا ، صعدت الى غرفتي لاتصفحه ورقة ورقه برقة متناهية لانني اخاف عليه وكما حذرني الشيخ .... صرت اقضي وقتا كبيرا مع هذا الكراس وتعلمت الحروف المندائية بنسبة لا باس بها فقد كان الاب الشيخ يسالني كثيرا عما تعلمته .... لقد اعطاني ذلك الرجل الروحاني ذو الوجه الملائكي درسين هامين في الحياة ....الاول حمامة السلام والاحتفاظ بالخصوصيات بعيدا عن التباهي خصوصا في الظروف الصعبة..الثاني الدفع بالحفاظ على الانتماء وتشجيعه في النفوس وتقوية هذا الجانب نحوالايمان به من خلال رموزه الكبار وتصرفاتهم مع كل حالة ووضعيتها والاسلوب الذي يعالجون به الظرف الذي هم فيه والدواء الناجع له .
كما بينت ان تلك اللحظات كانت منعطفا هاما لمسيرتي في الحياة ، فقد دفعتني لان اضع جزء من اهتماماتي لذلك الجانب من الانتماء ، فصرت في مرحلة من حياتي اندفع لجمع كل ما استطيع الحصول عليه مرتبطا بالمندائية،كما قمت بتشجيع بعض فنانينا الشباب بعمل قطع عليها رموز وكتابات مندائية ورسمت لهم الخطوط الرئيسية لها كما اعطيتهم ما ارادوا وانا شاكرا جهودهم لما بذلوه من طاقات لخروج تلك القطع بتلك الروعة من الاتقان كانهم عملوها لانفسهم ، واذكر اؤلائك الشباب المندائيون الفنانون من عائلة عيد الرزاق رويد وابن عمهم رائد واخيه ولهم ابن عم اخر ينقش البورتريت على الفضة كالمندائي الفنان الخالد (حسني) خانتني الذاكرة لاسمه وغيرهم التقيتهم في بغداد واستمرت علاقتي معهم في (عمان الاردن) ومن ضمن القطع التي جمعتها تلك التي تحمل الرموز المندائية او كتاباتها ان على حجر اومعدن او ورق نعم لقد فقدت بعض من تلك القطع في ظروف شتى ، ولكن البقية اعتز بها وانقلها لكم في موضوعي هذا عسى ان اكون موفقا ليكون الموضوع ذا فائدة .
لاني انتمي لهذه الطائفة العريقة فاني التزم بالبحث عن مأثوراتها وتراثها وفنها واشجع على ترك بعض من علاماتها في بعض اعمال فنانينا ومثقفينا.
غالبا ما يكون اهتمام الانسان في ما يحب ان يحصل عليه هو معلومات عن اقرب شيء لنفسه الا وهو انتمائه الروحي النابع من بيته وبيئته،لذلك اول من جلب اهتمامي
هو المندائية والدين المندائي، وقد شرفني ان اتعرف على شخصية مندائية مهمة، بداية ستينات القرن العشرين (كنت حينها بين نهاية الطفولة وبداية الفتوة ) الا وهو رجل الدين الشيخ ( داخل )ارواها نهويلي، وكانت عائلتي قد انتقلت في الربع الاخير من خمسينيات ذلك القرن الى كرخ بغداد منطقة الدورة(المهدي) من رصافتها (قنبرعلي )،وبالرغم من معرفتي معظم رجال ديننا ذاك الزمان ( ارواها اد هيي نهويلون) وقد كان لكل واحد منهم شحصيته المتفردة الا انهم جميعا يشتركون بدماثة الخلق في اعلى مراحله ، وبساطة نادرة قل ما تجدها لدى الناس المهمين ، وكان تعرفي عليهم من خلال ( خان الشابندر ) ذلك السوق الذي ضم الكثير من ابائنا الصاغة ، وكان مدرستي الاولى في الحياة .
لقد كان الشيخ الجليل ( داخل ) ارواها نهويلي شخصية جذابة شكلا وروحا ، فقد كان دائم التأنق في ملابسه من عقاله المقصب وصايته وعبائته حتى اصغر شيء في هندامه ،مثقفا بكل المعايير، قليل الكلام،الا حينما يريد ان يوجه احد، اتذكر هذه الحادثة رغم مرور حدود الخمسين عاما عليها فلا تزال كأنها حصلت بالامس ، صعدت من الصالحية في (كرخ بغداد) بباص مصلحة نقل الركاب رقم (31 ) قاصدا البيت في (منطقة الدورة) وكنت راجعا من فعالية للكشافة في مدرستي الابتدائية ( الاماني ) مقابل السفارة البريطانية وكنت مرتديا ملابس الكشافة برباط احمر ووضعت عليها دنبوس فضي من شغل اهلنا كحلية تمثل (حمامة السلام) وقد كان حين ذاك يمثل رمزا لفئة سياسية مهمة في الشارع العراقي ، وكان حينها الصراع مستعرا بين الفصائل السياسية العراقية بدايات السنين الاولى لثورة 14 تموز ، جلست على كرسي الباص المخصص لاثنين وجلس في جانبي شيخ كبير ذو لحية بيضاء جميلة ، مهيبا وجادا في شكله ، سلم علي قبل ان ابادره انا الصغير ، عرفته مندائيا من اهلي ، رحبت به واهتممت كثيرا، لم اعرف ما افعل فقد تفاجئت وهو الى جانبي ، الابتسامة تعتلي محياه ، سار الباص وانا ساكت وجل، بعد فترة لا اتذكر طويلة كانت او قصيرة، بادرني بالسؤال عن اسمي وكان المفتاح للحوار ، سالني عن الصف والمدرسة ، ومد يده على رباط الكشافة وعدله لي، وقال (اشكد حلوه ملابس الكشافة) ، قلت له (شكرا شيخ) ثم اردف قائلا ( اكدر بويه اشوف هذه المدالية الحلوه) ، فنزعتها فورا واعطيتها له ، وسالني (شغل ابوك) .. (لا بس هو اطانياها).. واستمر يسال ببساطة وانا احاوب .. حتى قال (ضمها بحيبك احسن توكع حرامات ..
لان تتحرك وتركض بالمدرسة واتضيع منك وهي كلش حلوه) .... لم اكذب خبرا اخذتها منه ووضعتها في حيبي ... وانتقل حديثنا عن المندائية وتعلم حروف اللغة ... وقال (تعال باجر واطيك كتاب ايعلمك تقره وتكتب) .... شكرته كثيرا لانه كان حلما ان اتعلم لغة الاهل فقد كان في مدرستنا اصدقاء اشوريين يتكلمون بينهم لغتهم الخاصة،كنا حقا نغار منهم لاننا نعرف بوحود لغة لدينا لا نتحدث بها ولا نعرفها.
في صباح اليوم الثاني ذهبت بهمة وشوق الى بيت الشيخ الجليل وكان في الشارع الذي خلف شارع بيتنا في محلة المهدي من الدورة ...بعد الطرق على الباب استقبلني الرجل بابتسامته الجميلة مرحبا واستصحبني الى الداخل واجلسني ثم جلب لي كراسا اوراقه صفراء وصار يشرح لي كيف ابدا ... وطلب مني ان احافظ عليه لانه بخط يده
وورقه يتكسر حين يطوى .... شكرته كثيرا جدا وانا اكاد اطير من الفرح ...... اخذته راجعا لبيتي وكاني امتلك كنزا ، صعدت الى غرفتي لاتصفحه ورقة ورقه برقة متناهية لانني اخاف عليه وكما حذرني الشيخ .... صرت اقضي وقتا كبيرا مع هذا الكراس وتعلمت الحروف المندائية بنسبة لا باس بها فقد كان الاب الشيخ يسالني كثيرا عما تعلمته .... لقد اعطاني ذلك الرجل الروحاني ذو الوجه الملائكي درسين هامين في الحياة ....الاول حمامة السلام والاحتفاظ بالخصوصيات بعيدا عن التباهي خصوصا في الظروف الصعبة..الثاني الدفع بالحفاظ على الانتماء وتشجيعه في النفوس وتقوية هذا الجانب نحوالايمان به من خلال رموزه الكبار وتصرفاتهم مع كل حالة ووضعيتها والاسلوب الذي يعالجون به الظرف الذي هم فيه والدواء الناجع له .
كما بينت ان تلك اللحظات كانت منعطفا هاما لمسيرتي في الحياة ، فقد دفعتني لان اضع جزء من اهتماماتي لذلك الجانب من الانتماء ، فصرت في مرحلة من حياتي اندفع لجمع كل ما استطيع الحصول عليه مرتبطا بالمندائية،كما قمت بتشجيع بعض فنانينا الشباب بعمل قطع عليها رموز وكتابات مندائية ورسمت لهم الخطوط الرئيسية لها كما اعطيتهم ما ارادوا وانا شاكرا جهودهم لما بذلوه من طاقات لخروج تلك القطع بتلك الروعة من الاتقان كانهم عملوها لانفسهم ، واذكر اؤلائك الشباب المندائيون الفنانون من عائلة عيد الرزاق رويد وابن عمهم رائد واخيه ولهم ابن عم اخر ينقش البورتريت على الفضة كالمندائي الفنان الخالد (حسني) خانتني الذاكرة لاسمه وغيرهم التقيتهم في بغداد واستمرت علاقتي معهم في (عمان الاردن) ومن ضمن القطع التي جمعتها تلك التي تحمل الرموز المندائية او كتاباتها ان على حجر اومعدن او ورق نعم لقد فقدت بعض من تلك القطع في ظروف شتى ، ولكن البقية اعتز بها وانقلها لكم في موضوعي هذا عسى ان اكون موفقا ليكون الموضوع ذا فائدة .